فخر الدين الرازي
246
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
السؤال الرابع : هلا قيل : ( ما وعدكم ربكم حقا ) كما قيل : ما وَعَدَنا رَبُّنا . والجواب : قوله : ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا يدل على أنه تعالى خاطبهم بهذا الوعد وكونهم مخاطبين من قبل اللّه تعالى بهذا الوعد يوجب مزيد التشريف ومزيد التشريف لائق بحال المؤمنين اما الكافر فهو ليس أهلا لان يخاطبه اللّه تعالى فلهذا السبب لم يذكر اللّه تعالى انه خاطبهم بهذا الخطاب بل ذكر تعالى انه بين هذا الحكم . اما قوله تعالى : قالُوا نَعَمْ ففيه مسائل : المسألة الأولى : الآية تدل على أن الكفار يعترفون يوم القيامة بان وعد اللّه ووعيده حق وصدق ولا يمكن ذلك الا إذا كانوا عارفين يوم القيامة بذات اللّه وصفاته . فان قيل : لما كانوا عارفين بذاته وصفاته وثبت ان من صفاته انه يقبل التوبة عن عباده وعلموا بالضرورة ان عند قبول التوبة يتخلصون من العذاب فلم لا يتوبون ليخلصوا أنفسهم من العذاب ؟ وليس لقائل ان يقول إنه تعالى انما يقبل التوبة في الدنيا لان قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ [ الشورى : 25 ] عام في الأحوال كلها وأيضا فالتوبة اعتراف بالذنب واقرار بالذلة والمسكنة واللائق بالرحيم الحكيم التجاوز عن هذه الحالة سواء كان في الدنيا أو في الآخرة . أجاب المتكلمون : بان شدة اشتغالهم بتلك الآلام الشديدة يمنعهم عن الاقدام على التوبة ولقائل ان يقول : إذا كانت تلك الآلام لا تمنعهم عن هذه المناظرات فكيف تمنعهم عن التوبة التي بها يتخلصون عن تلك الآلام الشديدة ؟ واعلم أن المعتزلة الذين يقولون يجب على اللّه قبول التوبة لا خلاص لهم عن هذا السؤال . اما أصحابنا لما قالوا إن ذلك غير واجب عقلا قالوا للّه تعالى ان يقبل التوبة في الدنيا وان لا يقبلها في الآخرة فزال السؤال . واللّه اعلم . المسألة الثانية : قال سيبويه : نَعَمْ عدة وتصديق وقال الذين شرحوا كلامه معناه : انه / يستعمل تارة عدة وتارة تصديقا وليس معناه : انه عدة وتصديق معا الا ترى انه إذا قال : أتعطيني ؟ وقال نعم كان عدة ولا تصديق فيه وإذا قال : قد كان كذا وكذا . فقلت : نعم فقد صدقت ولا عدة فيه وأيضا إذا استفهمت عن موجب كما يقال : أيقوم زيد ؟ قلت : نعم ولو كان مكان الإيجاب نفيا لقلت : بلى ولم تقل نعم فلفظة نعم مختصة بالجواب عن الإيجاب ولفظة بلى مختصة بالنفي كما في قوله تعالى : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] . المسألة الثالثة : قرا الكسائي نعم بكسر العين في كل القرآن . قال أبو الحسن : هما لغتان قال أبو حاتم : الكسر ليس بمعروف واحتج الكسائي بأنه روي عن عمر انه سال قوما عن شيء فقالوا : نعم . فقال عمر : اما النعم فالإبل . قال أبو عبيدة : هذه الرواية عن عمر غير مشهورة . اما قوله تعالى : فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ففيه مسألتان : المسألة الأولى : معنى التأذين في اللغة النداء والتصويت بالإعلام والأذان للصلاة اعلام بها وبوقتها